مرحبًا، أحمد من غزة بيحكي معكم.أخشى ما أخشاه أن يتحول اسمي إلى خبرٍ عاجل، كأن يقول الخبر مثلًا: “انتشال عدد (كذا) من الضحايا خلال قصف عنيف على منطقة (كذا)”، وأن أتحول إلى رقم بليد بجانب عدّاد الأرقام الذي لم يتوقف حتى هذه اللحظة. لا أحب أن يتحوّل اسمي وعائلتي إلى أرقام عادية فردية كانت أو زوجية.لي أحلامٌ كثيرة، مثلاً أن أسافر خارج عالم غزة إلى عالم أوسع، أكتشفه، أجرّب لغتي مع الآخرين، وأن أصدّق فعلًا المشاهد والصور والتجارب التي أراها عبر الانترنت والتي تُظهر العالم وتنوعه.أتحدث اليكم الآن وأنا لا أملك أي معلومة عن ما يحدث في الخارج، خارج بيتي أقصد الذي عدنا اليه بعدما قصفت منطقتنا قبل أيام، لا يوجد أي وسيلة تواصل مع أحد، أصوات القصف لم تتوقف، وقنابل الإنارة تضيء المنطقة مُنذرة بشيء ما لا نعرفه.أخشى ما أخشاه أن يتحول كل شيء إلى أحداث عادية، وأن العاديّ هو أن يُقصف المنزل، والغير عادي أنه لم يتم تحذيره بشكل مسبق. العادي أن يموت الطفل، والغير عادي أنه مات مات وهو يصرخ، وأشياء أخرى كثيرة لا يتسع لها نصٌ واحد.أنا أحمد، واصدقائي ينادونني (عاصم/ عصومي)، بالمناسبة لا أعرف أخبار الكثير من أصدقائي، أطمئن عليهم من خلال الفيديوهات القصيرة متى سنحت الفرصة أن أكون على الانترنت.. أتفقد جميع الوجوه، أطمئن أن أصدقائي ليسو من ضمنهم، وفي نفس الوقت أدرك أن جميع من هم في الصور والفيديوهات أصدقائي.. فأبكي.أنا أحمد وأكره منذ الطفولة دروس اللغة العربية والإعراب، أكره أسئلة أوجد الفرق بين شيئين، أكره الإجابات وأحب الأسئلة.. استوقفني سؤال قبل يومين (ما الفرق بين التصعيد والحرب؟) وتسائلت حينها أين تكمن أهمية السؤال طالما أن نتيجته واحدة: بكاء أم، وصراخ طفل.. هذا ان كان هناك فرصة للبكاء أو الصراخ.أنا أحمد وأخاف أن أموت وأصبح رقمًا عاديًا، وأن يذهب كل شيئ قبل أن أكمل النص.

وصلت لمرحلةٍ أخاف فيها من نفسي.لا أشعر بأي شيء، لا تدهشني الأخبار ولا تشدّني.أصبحت اقرأ الأرقام بشكل عادي جدًا، أكذب كثيرًا في اجاباتي عن سؤال (كيف حالك؟) ولا أهتم كيف هو حالي.لا يهمني من يكتب عنّا ومن لا يكتب، فما فائدة الكتابةِ أصلًا وعند كل كلمة يسقط صديق؟المنازل التي تقع على رؤوسنا أصبحت عادية، مشاهد النزوح المتكرر لا تأخذ من وقتي كي أفكّر فيها وأعدّ لها الخطط.الأيام أصبحت تشبه بعضها، ولا أذكر المرة الأخيرة التي ضحكت فيها، أصلاً هل كنّا نضحك سابقًا أم أننا نتظاهر في ذلك أمام أنفسنا؟لا يحزنني مشهد قصف المنازل، بل وأشعر بالخجل من أن منزلنا لا زال قائمًا رغم تضرره الجزئي.الآن أصبحت أخاف من نفسي، لا من الحرب.الآن أدركت تمامًا أن هذه الحرب قتلت كل شيء فينا حتى شعورنا بالدهشة والحزن.

لا أعرف من علّمنا الكتابة، ولماذا نكتب؟ وما الفائدة من الكتابة أصلًا والجدوى وراءها!أصبح لساني معقدًا ولغتي يبدو عليها الارتباك والخوف، حروفي تخرج متلعثمة، مليئة بالصراخ الغير مسموع.أُمسك لغتي، أحاول أن أُخرج منها ما يمكن أن يصف ما يحدث، أعجز وأفشل. أحاول أن أشكّل منها ما يضمّد جراح الأصدقاء أفشل مرة أخرى وأعجز.أفكّر بأن أقوم باجراء حوار عادي أكبر من (لقيتو ميّة؟ تحممتوا؟ شو تغديتو؟ انتو مناح؟ بعيد ولا قريب؟) وأفشل في إيجاد أسئلة أكبر من ذلك. لغتي سقطت مع أول طفلٍ كان يحاول وصف مدينة كاملة تحترق وهو لم يرَّ في حياته نارًا أكبر من عود ثقاب.

أحمد الخارج من تحت الركام يتحدث إليكم..المستنشق لآلاف الاطنان من الغبار، لوني رمادي (في حال احتاج الأمر أن تعرفو لوني)، الذي لم يتمكن من عدّ أفراد اسرته المنقسمون ما بين اللون (الأحمر، والرمادي) هذا ان تمكنت من أن ترى الألوان.الألوان هنا لا تملك رفاهية اختيارها، الأحمر: أنت ملىء بالدم، الرمادي هذا يعني أنك فقط احتضنت البيت وبيوت الجيران وحجارتهم وخرجت منها تتنفس.أحمد الذي شاهد الموت قبل قليل، ولم تسعفه خبرته في الدعم النفسي في أن يتجاوز حاجز صراخ الأطفال، الأمهات.لم تسعفني كلماتي في صياغة شيء من الكلام يرتّب على صدور الأطفال، أصلاً لم أشاهد أحد.. كنت فقط أعرف أنهم أحياء من صراخهم (وهذه نصيحة لك، إعرف صراخ أحبائك.. فهي الطريقة الوحيدة التي يمكنك تمييزهم فيما اذا كانوا أحياء أم لا).أنا أحمد أكره كل ما لدي من أحلام، لم يتبق لي ذكريات جميلة أعرفها، لم يتبق لي أصدقاء أميزهم، بيت آمن أكون فيه.أحمد، وأكره العالم الذي لا يستطيع إيقاف حرب أكبر من قلبي وقلوب الأطفال.أنا أحمد ولا أريد ترتيب هذا النص لعجالتي، لربما لن أتمكن من نشره قبل أن تُخطئني قذي_فة أخرى وأرى أنا وهو النور.

Bazz Logo Download

استكشف محتوى ممتع ومشوق

انضم لأكبر تجمع للمجتمعات العربية على الإنترنت واستكشف محتوى يناسب اهتماماتك

تم نسخ الرابط بنجاح تم نسخ الرابط بنجاح
لقد تم ارسال الرمز بنجاح لقد تم ارسال الرمز بنجاح