المشروع العثماني لإعادة إعمار دمشق بعد زلزال 1759 للزلازل في التاريخ العثماني تاريخ طويل، وقعت على إثره تدميرات طالت أول ما طالت العاصمة #إسطنبول، حتى أجبرت بعض السلاطين على مغادرة المدينة من قوة الزلزال خوفًا على حياته، بل وسُمي بعضهم في المدينة باسم "يوم القيامة الأصغر" من قوته وشدته. وعلى مدار أربعة قرون هي فترة حكم العثمانيين للأقطار العربية تعرضت مدن عربية كبرى لزلازل مدمرة، أذكر منها الزلزال الذي طال القدس عام 1546، والزلزال الذي طال القاهرة عام 1754 وقُتل في هدمه أكثر من 40 ألف شهيد، مع خراب ثلثي عمران المدينة تقديرًا. كما ضرب وهران في الجزائر عام 1804 زلزال أدى لإحداث ما يشبه "تسونامي" في البحر المتوسط وصلت نتائجه إلى سواحل المغرب، كما ضرب حلب عام 1822 زلزال كُتبت عنه الصحف حينها وفزع الناس على إثره إلى البساتين والشوارع وظنوا أن يوم القيامة قد قام. ويحتفظ الأرشيف العثماني بمجموعات من الوثائق التي ترتبط بهذه الكارثة الطبيعية، كما به مجموعات كبيرة أخرى تخص الطواعين والحرائق وغيرها من الكوارث التي كانت تتعرض لها مدن الدولة، وقد صدر عن الأكاديمية الغربية بضع دراسات قيمة في هذا الاتجاه وإن كانت قليلة نوعًا ما بحسب ما طالعت. ومن ضمن الوثائق التي مازال يحتفظ بها الأرشيف، دفتر من دفاتر المالية - المسماة بالعثمانية "مالية مدور" - يحوي بين دفتيه ما يزيد عن 900 صفحة، تشمل في قسم كبير منها المشروع العثماني لإعادة إحياء مدينة #دمشق بعد الزلزال المدمر الذي ضربها عام 1795/60 والذي ذكره البديري في يومياته، واستيقظ منه الأب المؤرخ ميخائيل بريك من نومه في منتصف الليل مفزوعًا، هذا المشروع الذي قامت الدولة - بعد إرسال برقيات إلى اسطنبول بشأنه - بالتحضير والتجهيز له بسبب خراب عمائر كثيرة من عمائر المدينة، طالت المباني الكبيرة مثل الجامع الأموي، وجامع السليمانية، وجامع السليمية، وأسواق وتكايا وحمامات وغيرها، بلغت حينها حسب ما رصده الدفتر 425 مبنى، فجهزت الدولة حينها المعماريين والعمال وأرسلت من يعمل على رصد الخراب ومقدار ما يتطلبه من مال، ورصدت من "الخزينة السلطانية" مبلغ كبير لإصلاح وإعادة بناء كل هذا، ويحوي الدفتر المبالغ المصروفة على كل منشأة وعدد العمال ومصاريفهم والمواد المستخدمة في البناء وأسعارها بالتفصيل، وقد أعيدت بناء هذه المنشآت مرة أخرى في خلال عدة سنوات لتعود أحد أهم المدن العثمانية في ذلك الوقت كما كانت من قبل. الملاحظ أن سياسات الدولة في التعامل مع السكان في هذه الكوارث كانت تتمثل في: مساعدة الوالي والعساكر ببناء الخيم وتأمين المدينة من اللصوص كما حدث في حالة دمشق وواليها حينئذ في هذا الزلزال، وبتخفيض الضرائب السنوية أو إلغائها لعدد من السنوات بناء على الالتماس المقدم من الأهالي (الضريبة في حالة المسلمين والجزية في حالة المسيحين واليهود)، ولكنها لم تكن تتدخل لإعادة إعمار المنشآت الخاصة مثل المساكن، بل بالتركيز بإعادة إعمار الأوقاف خاصة التي تقدم الخدمات لسكاني المدينة، بالإضافة إلى الأسبلة والأسواق والجوامع وغيره. والعمل على الدفتر لمن يحب أمر أحسبه مميز للتاريخ لعمران دمشق في العهد العثماني.

تم نسخ الرابط بنجاح تم نسخ الرابط بنجاح
لقد تم ارسال الرمز بنجاح لقد تم ارسال الرمز بنجاح