close

كان يوم الخندق أو يوم الأحزاب من أحسم المعارك في تاريخ أمة الإسلام، وكانت ابتلاءً واختبارًا، وتمييزًا بين المؤمنين والمنافقين، وكانت مليئة بالدروس والعبر، ويكمن فيها سر النصر على الأعداء.ففي سنة 5هـ خرج بعض اليهود نحو مكة، ليحرضوا المشركين على غزو المدينة، والقضاء على المسلمين، ثم تحرك أولئك اليهود نحو غطفان ليقنعوهم بنفس الهدف، وقد كان، فخرجت من الجنوب قريش وكنانة وأهل تهامة وبنو سليم، وخرجت من الشرق قبائل غطفان، وكذلك خرجت بنو أسد، واتجهت الأحزاب نحو المدينة حتى تجمع حولها جيش كبير يبلغ عدده عشرة آلاف مقاتل بقيادة أبي سفيان.والمسلمون في أشد حال، جوع شديد، وبرد قارص، وعدد قليل، وأعداء كُثر، قال تعالى واصفًا حال المؤمنين حينها: {إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا. هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً} (الأحزاب 11:10). تخيل معي هذا الوصف القرآني لحال المؤمنين: {وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً}، هذه الحال التي تسبق طلوع الفجر، ونزول النصر، فحين يشتد الكرب ويزيد البلاء على المؤمن، يأتي نصر الله، ولكن هذا مقرون بشروط وأحوال، يجمعها: اللجوء إلى الله وتعلق القلب به سبحانه.ولعل من أوضح صور هذا المعنى ما ذكره المولى سبحانه بقوله وهو يصف حال المؤمنين حينها: {وَلَمَّا رَأى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً} (الأحزاب:22).هنا يعلمنا الصحابة رضوان الله عليهم معنى التفاؤل والأمل وهم في شدة الضيق والحصار، فبالرغم من كل تلك الظروف العصيبة الشديدة التي أحاطت بالمسلمين، من حصار جماعي من مختلف قبائل العرب واليهود، وبجيش يبلغ عشرة آلاف مقاتل، ومن جوع وخوف، وشدة برد، ومعاناة شديدة في حفر الخندق، لم ييأس المسلمون، ولم يفقدوا ثقتهم بوعد الله ونصره، بل ازدادوا إيمانًا ويقينًا.ففي أحلك المواقف وأشدها نتعلق بالله، فتزداد الثقة واليقين بموعود الله، فنجد أن القلوب مليئة بالتفاؤل والأمل، وعدم اليأس والاستكانة للكافرين، رغم كل ما يدور حول المؤمن.ولأجل هذا علم الصحابة رضوان الله عليهم أن النصر من عند الله وحده، وليس بسبب تضحياتهم أو دقة ترتيباتهم، وإنما هو محض فضل من الله، وتيسير منه سبحانه لأسباب النصر.فإذا أراد الله نصر المؤمنين، فوالله لن يغلبهم أحد ولو اجتمع عليهم أهل الأرض جميعًا: {إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} (آل عمران:160).ومن أعظم مشاهد اللجوء إلى الله: الدعاء، فحينما اشتد الكرب على المسلمين حتى بلغت القلوب الحناجر وزلزلوا زلزالاً شديدًا، دعا رسول الله ﷺ على الأحزاب فقال: «اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم». صحيح البخاري. فاستجاب الله دعاء نبيه ﷺ، وأقبلت بشائر الفرج، فصرف الله بحوله وقوته جموع الكفر من الأحزاب، وزلزل أبدانهم وقلوبهم، وشتت جمعهم وألقى الرعب في قلوبهم: {‌وَرَدَّ ‌ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيۡظِهِمۡ لَمۡ يَنَالُواْ خَيۡرًا وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱلۡقِتَالَۚ وَكَانَ ٱللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا . وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ ظَٰهَرُوهُم مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ مِن صَيَاصِيهِمۡ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعۡبَ فَرِيقًا تَقۡتُلُونَ وَتَأۡسِرُونَ فَرِيقًا. وَأَوۡرَثَكُمۡ أَرۡضَهُمۡ وَدِيَٰرَهُمۡ وَأَمۡوَٰلَهُمۡ وَأَرۡضًا لَّمۡ تَطَـُٔوهَاۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٍ قَدِيرًا} (الأحزاب: 27،26،25).وانتهت غزوة الأحزاب بقول النبي ﷺ: «الآن ‌نغزوهم ‌ولا ‌يغزوننا، نخن نسير إليهم». «صحيح البخاري» (4/ 1509).ولقد كانت هناك رسائل نبوية جميلة من النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه حين حفر الخندق، كلها رسائل أمل وتفاؤل، فمن منكم يا أحباب يخبرنا بهذا الموقف الذي كان مليئًا بالأمل والتفاؤل حين حفر الخندق؟ #باز_يجمعنا

close
عبدالله ابراهيم

لا توجد تعليقات حتى الآن!

كن أول من يعلق على هذا المنشور

تم نسخ الرابط بنجاح تم نسخ الرابط بنجاح
لقد تم ارسال الرمز بنجاح لقد تم ارسال الرمز بنجاح